على إسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء..أنا إسم مصر عندى أحب وأجمل الأشياء

على إسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء..أنا إسم مصر عندى أحب وأجمل الأشياء

Monday, November 26, 2007

تشخيص الحالة المصرية - المقدمة

لم يحيرالمصريين شئٌ.. أكثر مما حيرهم سؤالهم الدائم عن سبب مشاكل مصر وهمومها

وفي هذه الأيام.. ونحن في بداية الألفية الثالثة من التقويم الميلادي.. والألفية السادسة منذ وحَدَّ نارمر العظيم قطري مصر الشمالي والجنوبي ليؤسس أول كيان سياسي مستقل عرفه تاريخ البشر.. تبدو غالبية المصريين مُجمِعة على أن الحالة المصرية الراهنة.. إن لم تكن هي الأسوأ بامتياز خلال كل التاريخ المصري المديد.. فهي بالتأكيد واحدة من أسوأ الحالات التي وصلت لها مصر.. وللأسف لا يبدو أن هناك اتفاقا عاما أو إجماعا شعبيا على توصيف المقصود بـ"الأسوأ".. ولكن من المؤكد أن هناك مزاجا اكتئابيا شاملا يدفع الجميع لأن يقررون بحسم: الأسوأ في كل شئ وأي شئ


ولا أظن أن هناك كلمة تُكتَب أو تُقال أو يُرسَم معناها أو يُصَوَّر محتواها فنيا أو غنائيا.. إلا وكان لها علاقة ما بمشكلات مصر أو بمشكلة بعينها.. أو تكون هي نفسها مشكلة من هذه المشكلات
حتى الغناء والطرب والفن عموما.. فقد يرى البعض خلوه من علاقة بمشاكل مصر وأزماتها.. إلا إنني أرى العكس

فإذا نظرنا إلى الغالبية الساحقة من فن الفنانين وطرب المطربين وغناء المغنيين.. فلن نجده يبحث أو فإذا نظرنا إلى الغالبية الساحقة من فن الفنانين وطرب المطربين وغناء المغنيين خلال العقود الماضية.. فلن نجده يبحث أو يدرس أو ينصح أو يناقش إلا إحدى صور الحب الرومانسي أو الحسي الجذاب للمراهقين.. أو حتى الحب العاطفي الناضج بتاع زمان.. فإذا تنوع الموضوع على سبيل التغيير.. فإن البديل يكون هو الفن الذي يدعو لحب الوطن وتقديسه.. على أن تكون الدعوة ساذجة ومباشرة.. حتى لا ينتهز أحد المواطنين المغرضين ممن يمتلئ بهم الوطن هذه الأيام الفرصة.. فيلبي الدعوة ويحب مصر بجد!.. وكل هذا فضلا عن الغناء الشعبي الذي تحول لحالة جماعية من الفوضى والاحتجاج السوقي على كل شئ.. ولا ينسى الفن أن يؤدي فروضه الدينية.. فيتُحفنا كل حين بأعمال كرتونية تُسلِّي وتُضحِك.. والمفروض أنها تمتع وتُعلِّم.. تُزوِّر في التاريخ وتحض على الكراهية.. والمفروض أنها تؤرخ بموضوعية وصدق وتحث على التسامح والرحمة.. وتتميز بالإغراق في الخيال وتسطيح الرؤية للكون والدنيا.. وفي النهاية ينتصر الخير ويصفق الجمهور

أليست هذه مشكلة مصرية كبيرة في حد ذاتها؟ هل هذا فنٌ يُفترض أن يرتفع بوجدان الناس وإحساسهم؟.. هل هذا فن يمكن أن يغرس شعورا إنسانيا عميقا داخل النفس البشرية؟.. يوحد بين مواطنين في دولة واحدة ويُشعرهم بانتماءهم لكيان واحد؟ يُفيق الناس ويدفعهم دفعا لممارسة فعل التقدم


.
يا الله.. ما أصعب الحديث عن مصر.. فمجرد تقديم المقدمة يستدرج إلى أغرب صور المشاكل وأندرها.. وأبعدها ظاهرا عن أصل الموضوع

ولكن.. فما يظهر مبتعدا قد يكون مقتربا وواصلا.. فما سبق يقودنا لأول خاصية وأخص لازمة لمشاكل مصر.. وهي ذلك التشابك الهائل بينها.. والتعقيد البالغ لها

ققد أوضحت من قبل كيف تتجمع المشاكل وترتبط وتتحول لكيانات أكبر وأخطرفي مقال محاورات مصرية.. وخلال هذه العملية.. فإن أطراف المشكلات تتصل ببعضها البعض.. وتنفتح قنوات بين بحار الظلمات فتنتقل مشاكل قديمة إلى أخرى أحدث.. وتبحر صعوبات بسيطة نحو صعوبات أعقد.. وتتموه أوجه الأزمة فيتوه الباحث ويَضِّل المحقق.. وعندما تتصل الشبكة الكارثية كلها ببعضها البعض.. يقف الحال.. ويبدأ الناس في البحث الهيستيري عن مخارج نجاة.. فلما لا يجدوا.. يثورون ويهيجون.. ويسبون ويشتمون.. ثم في أي مكان يضربون وينطحون.. فلا يزيد الضرب الأهوج قلبَ الأزمات إلا اشتدادا.. وما أظن الآن أن هناك من غالبية المصريين من لا يعتقد أننا وصلنا لهذا الحال.. وأن الحيرة والتخبط أصبحتا شعارا للمرحلة.. وأن الطريقة المصرية التاريخية لحل المشاكل لم تعد تجدي أكثر من ذلك

وبداية.. فإن هذه الخاصية وتلك اللازمة ليست مقصورة على مصر وحدها في العالمين

هو حال العرب جميعا فيما أظن وإن تباينت الصور والأشكال.. وربما هو حال أغلب المسلمين.. وكان أيضا حال آخرين من بلاد الشرق والجنوب منذ شهور وسنين.. ثم أنه كان حال الشمال والغرب منذ سنوات وقرون قليلة مضت

فلا ييأس أحد ولا يقنط.. فما أصاب مَن قَبْلَنا مِن نعمة قد يصيبنا.. وما فاتهم من فقر وجهل ونقمة سيفوتنا.. لو فهمنا بصدق ووضوح حالنا.. ووضعنا عنا ثقيل أسفارنا.. وعرفنا كيف نُولِّي الأولويات ونُرتِّب المُهمات.. فلا يخدعنا ما هو نتيجة عما هو سبب.. ولا يشغلنا ما هو أهون عما هو أعظم.. ولا يغرينا ما هو أضرُّ عما هو أنفع.. ولا يفزعنا ما هو أعلى صوتا وأخفض طحنا.. فنترك ما هو أعدم حسا وأكمل تدميرا

المشكلة الأولى والأكبر في رأيي هي ذلك العنوان المبهم الغامض: مشاكل مصر

هكذا.. أصبح إسم مصر مرادفا لكلمة مشكلة.. أو أزمة.. أو هم.. عندما يقول البعض مشاكل مصر.. فإنه يعني الفقر.. والبعض الآخر يعني غياب الدور السياسي.. والبعض الآخر يتحدث عن ضعف البحث العلمي.. وآخرون يقصدون أن مشاكل مصر هي ضياع الهوية والإنتماء وفساد الذوق العام.. ثم يؤكد البعض مصححا أن مشاكل مصر تعني الزحام وأزمة المرور.. أو هي سوء الخدمات الحكومية.. وربما يقصد آخرون سوء الرعاية الصحية.. والبعض الآخر يظن كلمة مشاكل مصر تساوي تماما كلمة غياب الديمقراطية.. أو سيادة الدكتاتورية.. أو ربما تكون المشاكل نتيجة لليبرالية لمن يرى أننا نعتنقها فعلا.. أو هي بسبب غيابها لمن يرى أننا لسنا ليبراليين شعبا وحكومة ومجتمعا.. ومشاكل مصر عند الإخوان المسلمين ومناصريهم تعني عدم تطبيق الشريعة الإسلامية.. وعند الناصريين فهي كامب ديفيد والتطبيع.. واليساريون يضحكون ساخرين ويقولون الاشتراكية يا جماعة.. والليبراليون يصرخون محذرين من الرقص على السلالم وعدم تطبيق آليات السوق الحر بشكل كامل والخصخصة حتى النهاية
ووسط كل هذا.. تصاب الغالبية الملايينية بحالة كاملة من الحيرة.. والحيرة تقود إلى التفكير المتعمق.. والتفكير المتعمق بلا معلومات حقيقية أو آراء ذات مصداقية أو أية دلائل علمية ينتهي إلى لا شئ.. واللاشئ هو بالتعريف عبارة عن فراغ.. والفراغ يجب أن يُملأ وفقا لسنن الله في الكون.. ويأتي كل هذا الصراخ والعويل والتشكيك والاتهامات والأكذوبات والتجنيات والتزييفات التي تنتجها كل الأطراف المفترض أن تقود الرأي العام.. لتملأ الفراغ وتشبع حاجة الناس إلى الى الفهم.. ولكنه فهمٌ ظاهره العلم وباطنه وجوهره الجهل

وهذا الجهل الباطن يحرك غضب الإنسان ويضايقه.. فيجد نفسه ثائرا.. زاعقا.. غاضبا.. محبطا.. لا يدري أين يذهب وماذا يفعل لكي يفهم حقا.. ويظل هكذا حائرا ثائرا صارخا.. حتى تنفد طاقته.. وينتهي غضبه.. وتموت إرادته التي كانت حية.. فيعود للاستكانة والخضوع والتبلد.. ويتعلم أن يسليَّ نفسه بالشتائم والسباب ليهون شعورا مميتا بالعجز والتيه.. ويشكك في كل شئ يحدث حوله.. ويرى الدنيا سوداء دامسة.. فيُشيع روح الاكتئاب واليأس بين الناس
وبسريان روح اليأس والإحباط والجهل والاكتئاب.. يبحث المحبطون التائهون عن سبب لما هم فيه.. فيعودون لكلمة السر السحرية.. مشاكل مصر.. فهي سبب اليأس والقعود.. ومن لا ييأس ويقعد فهو من الخائنين أصحاب المصلحة.. فيكفيه عارا أنه يحاول أن يفعل شيئا.. ففعل "الفعل" ذاته يستفز القاعد الجالس.. والمحاولة والاجتهاد تثيران غضب اليائس الزهقان.. فتصبح الحكومة أو الرئيس أو نظام الحكم تارة هي سبب كل مشاكل مصر.. وينسى القائل أن هذه المشاكل التي يعددها جميعا مستمرة مع مصر وفيها منذ عقود طويلة إن لم تكن قرون مديدة.. ومرة أخرى.. يصبح الإخوان المسلمون مثلا هم سبب هذا الجحيم الذي نحيا فيه.. ولا دليل حقيقي يثبت هذا أو يسنده ولو من بعيد.. ثم أحيانا تكون أمريكا.. أو إسرائيل.. أو قوى الإمبريالية العالمية.. أو ربما هي السعودية العربية.. ومرات تستقر الكرة الدوارة على الحكام السابقين.. فيصبح ناصر هو المتهم.. أو السادات هو أصل الكارثة.. ويفضل البعض الظهور بهيئة المثقف المختلف مع الآراء السائدة.. فيقول مثلا أنها الهوية العربية هي سر نكبتنا.. أو التبعية الغربية.. أو حتى الشخصية الفرعونية.. أو هو انتهاك حقوق المرأة.. أو هو الحجاب.. أو عدم الحجاب.. وأحيانا نتجه إلى السماء.. فنشير إلى غضبها من عصياننا.. وتتعدد الاتهامات ولا ينتهي عدد المتهمين








وكل هذا.. في رأيي.. يعود في أول مقام وأقدم سبب.. إلى انعدام ثقافة التفكير العلمي المنهجي الموضوعي تماما بين ظهرانينا.. فهي عدمٌ مطلق عند غالبية الناس.. وهي الأصول والأعراف عند أنصاف المتعلمين.. وهي رطانة لفظية عند أشباه المثقفين.. وهي سلاح جدلي انتقائي عند المثقفين الحقيقيين.. إلا قليلا.. جدا

فأول أطراف الخيط.. أن نتفق على أنه لا يوجد شئ إسمه مشاكل مصر من الناحية الواقعية.. نعم هو تعبير جاذبٌ أدبيا وبلاغيا.. ونحن لسوء الحظ نعشق الاستعارات والكنايات.. ونهوى الاستسلام لغواية ألاعيب الفصحاء.. ولكن علميا ولفظيا وواقعيا.. مصر هي شخص اعتباري لا مشاكل له إلا بما لعناصره التكوينية من مشكلات أو أزمات.. ومجموع هذه المشاكل قد يجوز أن نسميه مجازا "مشاكل مصر".. ولكن لا ينفع أبدا أن نتعامل معه كوحدة واحدة إذا وجدنا حلا لها فإنها تنتهي على الفور.. كأن نقول أن الحل هو الإسلام.. فإذا طبقنا الشريعة.. انتهت مشاكل مصر.. أو أن الحل هو الديمقراطية.. فإذا أجرينا انتخابات نزيهة وعدلنا الدستور أو بدلناه.. زالت مشاكل مصر.. كل هذه الإدعاءات للأسف لم تخلقها إلا مكايد السياسة وأكاذيب الساسة.. ويميل الناس إلى تصديقها أملا في انتهاء عذاباتهم سريعا وبضربة واحدة









دعونا نبدأ التحديد.. ولا نمل من التحليل.. فلا أمل لنا إلا بجيل يتعب ويكافح ويجاهد من أجل المعرفة والفهم.. بلا هدف.. أو أيديولوجية.. أو غاية.. إلا لو اعتبرنا حب مصر غاية

أولا يا سادة.. مصر لا مشاكل لها إلا بما يخص ساكنيها من أحياء.. أو يمس سلامة أراضيها من أسوان إلى سيناء.. أو يهز مجتمعها الذي يجمع من يقيم فيها في إطار مرسوم.. تحكمه حكومة.. وينظمه نظام.. ويقننه قانون.. ويُعيلُه إنتاج واقتصاد.. وتُؤَمِنُّهُ قوة ردعٍ وعقاب.. يحيط به من كل جانب وفراغ.. هواءٌ يحيا به المجتمعون.. هو الفن والثقافة.. والفكر والصحافة.. والعادات الموروثة.. والتقاليد المحفوظة.. وأحكام الدين المشروحة من رجاله وفقهاءه
فيجب أن تُرسم خريطة.. تصف وتُعِّين.. تدل وتُرشد.. ترتب وتميز.. وبدون خريطة كهذه.. يتفق عليها المعالجون ويقبلها المرضى كمرجعية وأساس.. فلا أرى أملا في علاج ما بنا.. فلا دواء إلا بعد معرفة الداء.. ولا شفاء يأتي إلا بعد تشخيص سليم مؤكد.. وتحليل شامل مفصل


وما يعقُبُ لاحقا.. إن هو إلا رأيٌ واجتهاد.. يُثيبُه الله بأجرٍ في الخطأ وضعفين للحق.. وتُجازي عنه التجربة الإنسانية بأن تعممه وتقدمه.. فيصبح الرأيُ نورا.. يهدي من أتى لاحقا.. ويصير الاجتهادُ دليلا..ً يرشد ويطمئن من مشى خائفا وَجِلُ

Thursday, November 22, 2007

محاورات مصرية

ما هو الأسوأ من مشكلة خطيرة؟
لا أعلم
إذن فلتعلم: الأسوأ من المشكلة الخطيرة هو الجهل بأنها خطيرة
حسنا.. ليكن.. وما هو أسوأ؟
الجهل بأن هناك مشكلة أصلا
وهل هناك ما هو أسوأ من ذلك؟
نعم.. عدم الفهم الحقيقي الواقعي لطبيعتها وأصلها.. والتفريق بين ما هو جذر فيها وما هو فرع.. وحدود تأثيرها وتداعياته.. فتراها أكبر مما
هي عليه.. أو تهون في عينيك خلافا لما هو واقع
هذا هو أسوأ شئ كما يبدو
للأسف لا.. هناك ما هو أسوأ
عدم دراسة حلها بالمنهج العلمي في التفكير.. بمعنى القياس الدقيق للخسائر الشاملة المترتبة عليها في المدى الزمني الذي يمكن حلها فيه جذريا وإعدام وجودها نهائيا.. ثم مقارنة حجم هذه الخسائر بتكلفة إتمام الحل وتنفيذ الإعدام.. وتكلفة الحل هنا تشمل إزالة ما قد ينتج عن القضاء عليها من مشاكل أخرى.. فإذا ظهر أن خسائر استمرارها تفوق تكاليف حلها.. فلا بد من رسم خطة منظمة للقضاء عليها جذريا وفي أقرب وقت ممكن.. أما إذا تأكد أن تكلفة القضاء عليها وعلى توابعها تفوق آثار تركها حرة.. فالقرار يجب أن يقضي بتخفيف آثارها وتقليل خسائرها حتى تزول تدريجيا.. ولتعلم أنه بقدر دقة وكفاية التحليل وسلامة وكفاءة التخطيط تكون جودة التنفيذ ودرجة النجاح.. وأعمالٌ كهذه تحتاج من أي بلد أن تنادي على أفضل العقول وأعلى المهارات وأقيم المواهب وأخلص القلوب
الآن تعقد الموضوع.. هذا أسوأ شئ على الإطلاق
كلا.. لا تتعجل.. الأسوأ لم يأت بعد
ما رأيك في أن يحاول شخص ما القيام بما سبق بمفرده معتمدا على سلطة تقويه أو نفوذ يغريه أو عبقرية وإلهام يظنهما في نفسه
لا أتصور أن يقدم إنسان على ذلك إلا لو كان نبيا مرسلا.. وإلا ستكون كارثة.. فأن يفعل ذلك شخص بمفرده ولا يستطيع أحد محاسبته أو مناقشته.. وخاصة في المشاكل الكبرى والمعقدة.. هذا هو أسوأ شئ في الدنيا.. الفردية والرأي الواحد
لا يا سيدي.. أنت لا تعرف الكثير عن مصر بعد.. تغرّبنا عنها سويا.. ولكني سافرت منها إليها.. فاقتربت منها بأكثر مما كنت وأنا أعيش داخل حدودها الجغرافية.. اقرأ ما هو أسوأ
ألا يقوم هذا الشخص -ولو بمفرده- باتباع المنهج المحدد السابق شرحه.. ويقرر بدلا من ذلك أن يصنع قراره عن طريق اتباع "حدسه".. أو الاستماع لـ "شعوره".. أو سؤال "حاسته السادسة".. أو تحسس "قرون استشعاره".. أو استشارة "خبرته الكبيرة".. أو الاستعانة بـ "حنكته البالغة"
آه.. الآن أفهم.. عن الفهلوة المصرية تتحدث.. هذه هي الأسوأ بامتياز
يا للمتفائلين بلا أساس.. أنّى لهم بهذه الثقة وهذا اليقين
وماذا عن أن يتجاهل الجميع المشكلة كلية.. بينما هم عالمين بوجودها.. شاعرين بضررها.. مؤمنين بخطورتها.. فتتطور في اتجاهات شتى وتنجب مشاكل صغيرة جديدة.. تتفاعل مع بعضها.. ومع واقع ملئ بمشاكل أخرى.. لتؤسس كل مجموعة مشاكل صغيرة مصيبة كبيرة.. ثم تتجمع المصائب الشابة لتنمو وتغدو كارثة عملاقة.. وهكذا
يا ساتر يا رب.. لا أظن هذا يحدث أبدا في أي مكان في العالم
يا سيدي.. كنت أتمنى أن أريحك.. لكني أحبك بما يكفي لأن لا أخدعك.. وأحترم نضجك بما يفرض إخبارك بالحقائق.. فالقائمة لم تنته بعد
مازال فيها أن يقوم قائدو الرأي العام ومعلمو العقول وصائغو النفوس بإقناع الأغلبية العظمى من شعبنا الطيب.. بأن هذه المشاكل الخطيرة وما أفرزته من مصائب عديدة ثم ما كونته من كوارث كبيرة ما هي إلا ابتلاء من الله وقدر.. وأن العقبى يا إخوان
ي لمن تحمل وصبر.. أو ربما يفضلون مدخلا آخر يحبه البعض.. وهو أننا لسنا في الغم وحدنا.. ومن لا يصدق فعليه أن يقارن بين كوارث العالم ثم يأتي ليرى أحوالنا
كفاية أرجوك.. خلاص.. هذا هو الجحيم بعينه.. ما هذا البؤس.. بل ما هذا القرف
أنت تريد الوهم وأنا أريد الحق.. أنت تريد الراحة ولو خادعة.. وأنا أريد الصراحة ولو موجعة.. انصت وحاول أن تفهم.. فأنا لا أخبرك لتعلم وحسب.. فالجميع يعرف ما أقوله.. ولكن يكتفون بالرفض المجمل دون محاولة فهم وتعمق.. فيخلطون بين الأمور.. ويمزجون ما صلح بما طلح.. وتتشابه المشاكل عليهم.. فيثورون على ما ليس به مشكلة ليحولوه إلى هم ومعضلة.. فانصت ودعني أخبرك -أخيرا- بالأسوأ والأضل والأعتم
صدقّت الغالبية وكان لا بد لها أن تصدق.. فما يحاصرها من فقر يذل الأعناق.. وظلم يسحق الصدور.. وجهل يُسَودِّ العقول.. مَهَدَّ لهزيمةٍ نكراء.. أمام إلحاح رجالٍ.. يبدون ذو هيبةٍ ووقار.. وعلمٍ وفخار.. وقدرٍ ومقدار.. يقسمون بآيات الله الكرام.. ويستشهدون بالمقدس والمصان.. ويلومون الفقراء والمغلوبين على ما أصابهم من ضعفٍ في الإيمان.. ووهنٍ في العقيدة.. وترفٍ في المعيشة!.. أنساهم النار وعذابها.. والجنة ونعيمها.. وطرق السلامة في الدنيا ومنالها.. فلما صدق الناس.. ورضوا بقضاء ربهم واختباره.. كان لا بد من أن يتكيفوا مع واقعهم وأقداره.. ولإن الإنسان بطبعه كائنٌ مستجيبٌ لضغوط بيئته ومتطلباتها.. فقد عمِيَ الناس عن قبح واقعهم اعتياداً.. وسخروا من حالهم فأجادوا في السخرية.. فهوّن الضحك من مرارة العيش.. وباتوا لا يشعرون بما سبق من كوارث تتفاحل وتتضخم.. ومع الوقت كرهوا من يذكرهم بما هم فيه من هم وضنك.. أو يُعلِمُهُم بما للآخرين من تقدمٍ وسبق.. وأصبح الناس في بلادي كالمريض لا يطلب شفاءً.. بل يرجو مزيدا منه وابتلاء.. ويسحق بلا رحمة من يحدث نفسه سرا بأن آخرين في الدنيا قد اخترعوا دواء
.
.
وماذا بعد
.
.
أحدثك في القريب عن أمثلة للمشاكل.. وأصف لك كيف تراكمت وترعرعت.. وأقص عليك طرائف التعامل معها في بلدي الجميل.. وتسالي مناقشتها وتحليلها.. ثم أرسم لك لوحات تصور غضبا عارما عندما تظهر المشاكل.. فترى الناس دهشى كأنهم فوجئوا.. أو كأنها الصاعقة من السماء هبطت فوق رؤوسهم بينما هم ركعٌ سجود.. وهم لم يعهدوا من ربهم إلا عقاب من لا يركع ويسجد.. بل وإنذاره قبل أخذه أخذ عزيز مقتدر.. وهم.. فوق أنه لم يصلهم إنذار.. دائمو الركوع والسجود.. ويتبعون نصائح أولى الأمر وأهل الذكر.. فكيف يضامون.. وفي بلادهم يُستعمرون.. فلا يُكرمون أو يُحترمون.. وفي حالهم الحزين هذا .. يا ألمي.. لا يُتركون















فحتى ألقاك بخير.. تقبل تحيتي واحترامي

Thursday, November 15, 2007

مأساتنا الأكبر

في ظني أن أهم ما نواجهه من مشاكل تحبط تقدمنا وترجع بنا أميالا للوراء كلما مشينا خطوتين أماما هي: كارثة خلط المرجعيات غير القابلة للخلط بطبيعتها! أو قل التلاعب-المقصود مرات والعفوى أحيانا-بهذه المرجعيات حسب ظروف الموقف وطبيعة الهدف المراد تحقيقه! يعني إيه الكلام ده؟!؟


يعني أن الإنسان-في كل زمن وفي أي مكان-يطمح بكل جهد إلى أن يقف على أرض صلبة أشد ما تكون الصلابة، ثابتة لأبعد حدود الثبات، واضحة المعالم في الليل والنهار فلا يقع السائر ولا يتعثر، بارزة الاتجاهات فلا يتوه المسافر ولا يشقى، ممتلئة بالوفير من الخرائط والمرشدين والخبراء؛ يفسرون للسائلين معاني الاتجاهات ومقاصدها، ويحذرون من مطبات الأرض وعوائقها، وينصحون بأحسن الطرق وفضائلها! هي دي المرجعية اللي بتكلم عنها! أرض ثابتة مضيئة معاها خريطة ومرشد





يتسابق رواد الفكر ومتبصري الرؤى منذ بداية حياة الإنسان، على تقديم مرجعيات شتى لبلايين المعذبين من بنى البشر! فالإنسان الذي لا يمتلك مرجعية كالموصوفة أعلاه لا شك وأنه يعاني بأكثر من جاره المستمتع بأخرى واضحة مفصلة يسير عليها مغمض العينين مسرور الخاطر! فضلا عن الخطورة التي يتعرض لها فاقد المرجعية بسبب تعثره الدائم في الظلمات ووقوعه المستمر في كل اختبارات الحياة ومشاكل السفر! ويتطور بحث الإنسان عن خريطة طريق يرضى عنها وتريح تساؤلاته التي لا ترحمه حتى يأتيه الأنبياء بالبشرى

ويخبر كل نبي قومه بماهية الأرض وطبيعتها ويشير لهم لهدف الرحلة وغايتها ويشهد الله أنه قد أدى الأمانة ورسالتها

وبدلا من أن يكتفى البشر بهذه الرسائل الإلهية توجه وتنصح وترشد: يسألون فيكثرون من السؤال! ويلحون فيطيلوا في الإلحاح! ويأبون إلا أن يعرفوا مقدارا واحدا محددا لكل خطوة يمشونها! وحلا واحدا محددا لكل صعوبة يواجهونها! وطريقا واحد محددا يسيرون فيه جميعا حتى يصلون لغاية الحياة ومرادها

ولكن! رحل الأنبياء! انتهت رسائل السماء! وبات على البشر أن يواجهون مصيرهم بأنفسهم معتمدين على عقولهم تفسر لهم ما تركه الأنبياء من دين وحكمة، وتسير في اتجاه الطريق الواحد الذي أشارت إليه تعاليم السماء، وهو طريق له جانبين لا ثالث لهما: أولهما الإيمان-وهو المخفي في الصدر والمحجوب عن معرفة البشر ولا يسأل عنه ويحاسب عليه سوى المطلع على خفايا القلوب
وثانيهما العمل الصالح-وهو المرئي والظاهر والمعروف للبشر والواجب السؤال عنه وتنظيمه والمحاسبة عليه


ولكن! ويا للأسف! لم يفعل بنو البشر-سوى من رحم ربي-أيا من هذا! بل بحثوا عن أنبياء جدد. فلما لم يجدوا، ذهبوا إلى بعض إخوانهم من البشر غير المرسلين! فنصبوهم شراحا للعقيدة وحماة لها ومراقبين للالتزام بها كما يرونها! وأراحهم هذا التفويض التاريخي من شقاء الاختيار وعناء التفكير، فأكثروا من الاعتماد على حارسي العقيدة وسدنتها، وجعلوهم مستشارين في كل شئون المعيشة وأمورها، مما رفع نفوذهم وضخم قدرتهم على توجيه الرأي العام لجموع السائلين المصدقين التابعين، والتحكم في أدق تفاصيل حياتهم وعلاقاتهم! ولم يغب ما يحدث عن نظر الساسة ودهاة الحكم والسلطان عبر عصور التاريخ والزمن، وهم من لا يستقيم لهم حكم أو سلطان إلا بحشود من الناس راضية هائنة قانعة ويفضل لو كانت خانعة وخاضعة! فتحالفوا مع غالبية خبراء تفسير العقيدة وتعاونوا سويا على ترويضنا وسياستنا؛ بالسلطان مرة وبالقرآن مرة! كل يستخدمه لهواه وبما يتفق مع النتيجة المطلوبة! أما من رفض منهم أن يتحالف مع ولاة الأمر، فقد وقع تحت تأثير معارضيهم! وقام أيضا بإعادة بناء تعاليم العقيدة وأحكامها بما يضعف من سلطة الحكام ويخدم مصالح معارضيهم الراغبين في الإطاحة بهم والجلوس على عروشهم! ومن هؤلاء لأولئك.. وصلنا لما نحن فيه الآن من أعجوبة بين البشر وأحدوثة من أحاديث التسالي والهذر

وهكذا! فعندما يريد أحد بني البشر اتخاذ قرار ما في شأن يخص إدارة أمواله مثلا، فلا يذهب إلى المرجعية العقلية العلمية التي تشرح طريق المال والاقتصاد وتوضح اتجاهاته وصعوباته ومعانيه، وإنما يجري نحو رجل آخر-لا عصمة لديه ولا وحي-ليفكر بدلا منه استنادا إلى مرجعية طورها هذا الرجل بنفسه أو قياسا لبعض من سبقوه ويزعم أنها مرجعية دينية أو شريعة




وإذا ما احتارت أم في اختيار مدرسة لابناءها، فلا تفكر استنادا لمرجعية إدارة العقول وتنمية البشر التي تشرح هذا الطريق وتوضح اتجاهاته وصعوباته، وإنما تجري نحو رجل آخر-لا عصمة لديه ولا وحي-ليقرر بدلا منها اختيار مدرسة أبناءها استنادا لما يعتقده من أسبقية تلك المدرسة عن غيرها في التقوى وأقربها لمرضاة الله

وقل نفس الشئ على السائلين في أمور تلتصق بمرجعيات أخرى غير مرجعية العقيدة والدين، كالسائل عن أحكام مشاهدة الفن أو ممارسته، وهواية الرياضة أو احترافها، ونظم السياسة والحكم وبدائلها، وخير الملابس وشرها، ووسائل التداوي ونجاعتها، والقائمة لا تنتهي

ويتعلل منظرو هذا الاتجاه بأن كل نشاط أو فعل أو شئ له علاقة بالإنسان فإنه قد يتضمن ما يخالف الدين-كما يفسره المنظر طبعا. ويضيف على سبيل المثال فإن بعض الرياضة قد يكون بها اختلاط للمحارم واطلاع على العورات. وبالتالي فهي محرمة

ولا يصمد مثل هذا المنطق للتمحيص العاقل. فالحكم على كلٍ مكتمل وفقا لجزءٍ مبتور ناقص هو حكم فاسد واستدلال يشوبه العوار ويشينه الجهل أو سوء النية! وهو يماثل من يحكم على غزوات الرسول مثلا بالحرمانية بسبب حدوث قتل عمدي خلالها! فالقتل-وهو محرم كقاعدة عامة ولا شك-عندما يحدث في سياقات معينة كالدفاع عن الأرض والعرض والكرامة والمال فان حكمه وتقييمه لا بد وأن يختلفان. وكذلك الأمر بالنسبة لأي شئ أو نشاط إنساني أو ذو علاقة بالبشر، فالملابس لا خير فيها ولا شر في حد ذاتها وبشكل مطلق سرمدي! وإنما الخير فيما له فائدة ونفع وليس له ضرر وأذى، والشر فيما له ضرر وأذى من غير فائدة وجدوى

وتتسع-عبر القرون-دوائر السؤال وطلب المشورة، فتتعدد قنوات الرد وتوصيل النصيحة، وتلح الحاجة لتنظيم طوائف وفرق المفسرين والشراح والحراس، بعد ان اختلط الحابل بالنابل وعمت الفوضى وتفشى الهرج وساد المرج، وبات هناك ألف دين وألف مذهب وألف عقيدة وألف رأي وألف فتوى وألف تفسير. وتسائل بعض العقلاء عن أين ذهبت وحدانية الله ونقاوة الدين؟ هل ضاع العرب فيما أضاع من قبلهم؟ تحزبوا أحزابا وتشيعوا شيعا وجعلوا بينهم وبين خالقهم وسطاء وكهنة! لم تسعدهم ثقة الله في عقل وبصيرة كل منهم فردا فردا، وفقا لما يرى ويفهم ويشعر، فهجروا عقولهم وبدلوها بعقول آخرين ينهون ويأمرون ويحللون بأكثر ملايين المرات مما فعل أنبياء الله ورسله أنفسهم! لم يكتفوا بقول إلههم لهم أن من عمل صالحا وهو مؤمن فله أجره ولا يجب أن يخاف أو يحزن؛ فزادوا من السؤال وطلبوا قوائم تفصيلية تذكر الصالح وغير الصالح من الأعمال والمؤمن وغير المؤمن من البشر ودليل مرجعي للتعرف عليه! لم يحترموا كف بارئهم لهم عن التفتيش في ضمائر وصدور البشر وأن لهم دينهم وللآخرين دين! لم يدركوا أن الله لو أراد إرسال أنبياء آخرين لفعل، وكونه جل شأنه لم يفعل فهذا يقطع الطريق على كل من يقوم بدور الواعظ والمبشر والنذير

والحديث لا ينتهي لو شئنا

وله بقايا واستطرادات إن شاء الله