ملخص ما سبق
هو تشخيص للحالة المصرية. تشخيص استدعاه إجماع الجميع على أن هناك مرضا يعاني منه الوطن. فقلب الوطن مجروح لا يحتمل أكتر، كما قال إبراهيم رضوان بصوت منير شديد العذوبة. وأضاف: نهرب وفين هنروح لما الهموم تكتر. ويجيب: نحمي غصون الورد من دمع سال ع الخد، آه يا حبيبة الروح، قلب الوطن مجروح.
والإجماع العام على وجود "حالة" مصرية، استدعي من جانبي محاولة التعرف والفهم والتشخيص أملا في الوصول لـ "وصفة" تعالج وتخفف.
قلت سابقا إن مشكلات مصر تنقسم تحليليا إلى نوعين. الأول هو ما ينبع من خارج مصر ويؤثر على جميع دول العالم تقريبا. وحددت أهم أمثلة هذا النوع بالعولمة. أما الثاني فهو ما ينبع من داخل مصر ويؤثر بذاته كما أنه يضاعف ويضخم من آثار مشكلات النوع الأول الخارجية.
نقوم بتشريح الجسد المشكلاتي المصري لنفك التشابكات ونزيل التعقيدات. نحلل مصر إلى عناصرها الأولية: شعب. أرض. نظام سياسي. مجتمع.
في المرة السابقة قمنا بتعريف الشعب من حيث مستويات الدخل. قلنا أن هناك شريحتين من المعدمين الفقراء (30 مليون مصري). ثم شريحة كبيرة (15 مليون) ساقطة من الطبقة الوسطى. وشريحتين تمثلان الطبقة الوسطى (25 مليون). ثم شريحة طالعة من الطبقة الوسطى نسميها فوق المتوسطة (4 مليون). وأخيرا مليون مصري هو أبناء الطبقة الأعلى اقتصاديا في الدولة.
قلنا إن جميع المشكلات الخاصة بأفراد الشعب المصري هي ذات طبيعة اقتصادية تتعلق بالاحتياجات البيولوجية للمواطنين الذين هم أصلا.. بشر! يحتاجون لأكل وملبس ومسكن وترفيه وتعليم وعلاج وما إلى ذلك مما لا يُحصى! كل المشكلات الأخرى سيتم التعرض لها تباعا وفقا لارتباطها بباقي عناصر الدولة.
لا بديل عن بعض الدراسة المقارنة لأحوال الفقر في العالم وأحوالنا نحن مع الفقر عبر تاريخنا المديد. فنحن لا نعيش وحدنا على الكوكب، لا. ولا بدأت حياة مصرنا أول البارحة. التاريخ ملئ بالعبر التي تفسر الحاضر وتنير طرق المستقبل. الاقتصاد العالمي متشابك بشكل لا يسمح برفاهية الجلوس وإلقاء الأحكام الجزافية. النتيجة الوحيدة لخلط "الباطل بالعاطل" وتحميل نظام الحكم أو الحكومة فقط ودائما بالمسؤولية عن الفقر وتردي الأوضاع الاقتصادية تؤدي إلى مزيد من التقهقر أو الثبات على ما نحن عليه في أفضل تقدير. يجب معرفة أين يجب أن يلام نظام الحكم وأين يجب ألا يلام. يجب في رأيي الاتفاق على أرضية مشتركة حقيقية بين جميع من يعشقون هذا الوطن من الأفراد. لا أثق بقوى المعارضة المنظمة في مصر. هي أقل تقدما بكثير من الشرائح الشابة من الطبقة الوسطى التي تتألم بصدق من حال مصر وتريد تغييره لأفضل. يجب التحكم في نوبات الغضب الهيستيري التي تدمر مستقبل أبناءنا. لا بديل عن فهم موضوعي متأني. لا بديل عن جيل جديد غير متشنج مهما كانت ظروف الوطأة الاقتصادية التي تضغط على أعصابه. لا أقصد أن تحدث استكانة العامة. أقصد استفاقة عقلانية واعية عامة بين صفوف الطبقة المتعلمة الشابة التي تعرف عن أحوال العالم والتي لا خلاف لها مع فكرة الدولة المدنية. لا أتحدث الآن مع الراغبين في التغيير الهيكلي الجذري للنظام السياسي المصري برمته وبكل ما يضمه من إطار الدولة ومؤسساتها ومجتمعها المدني وليس فقط نظام الحكم. سواءٌ عندي من يريدونها دينية متأسلمة أو ثورية مناضلة.
ماذا حدث في تاريخ المصريين من ناحية الفقر؟ عاش أجدادٌ لنا يا سادة في أزمانٍ حدث بها ما لا يتصوره أبناء هذا العصر. لا أعرف هل يعرف الجميع هذه الأحداث المتكررة كثيرا عبر تاريخ مصر أم لا. أكتفي بذكر هذه الكلمات من كتاب الأديب والمؤرخ الشهير جورجي زيدان "تاريخ مصر الحديث" عن مثال لهذه الأيام. ليس دفاعا عن الأوضاع الحالية ولا على طريقة "إحمد ربنا إنك عايش". فقط للمقارنة والاعتبار وضبط النفس الذي أرانا نفتقده كثيرا. تعالوا نرى ماذا قال جورجي زيدان في كتابه في صفحة 292 واصفا لحال المصريين عام 1201 ميلادية أيام سلطنة الملك العادل إبن أيوب عندما حدثت إحدى المجاعات التي كثيرا ما تكررت بسبب قحط ماء النيل في بعض السنوات، يقول جورجي:
"اشتد بالفقراء الجوع، حتى أكلوا الميتات، والجيف، والكلاب، والبعر، والأرواث. ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم (الأطفال)، فكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون، أو مطبوخون، فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل. ورأيت صغيرا مشويا في قفة وقد أحضر إلى دار الوالي، ومعه رجل وامرأة زعم الناس أنهما أبواه (!!) فأمر باحراقهما. ووُجد في رمضان بمصر رجل وقد جردت عظامه من اللحم فأكل وبقى قفصا..... وقد رأيت إمرأة مشججة يسحبها الرعاع في السوق وقد ظفر معها بصغير مشوي تأكل منه، وأهل السوق مذهولون عنها ومقبلون على شؤونهم"
لا أقول إن المصريين كانوا آكلي لحوم بشر! أقول إن أشد الفقراء منهم ثارت غرائزهم البيولوجية عندما اشتد بهم الجوع في أوقات كثيرة من تاريخ مصر. هذه الأيام كانت كما ذكرت عام 1200 ميلادية. وأظن الكثير يعرف أو سمع عن الشدة المستنصرية خلال فترة حكم المستنصر بن الظاهر الفاطمي في القرن الحادي عشر الميلادي. فإذا قال البعض الآن إننا في أسوأ عصور مصر عبر تاريخها، فأنا أعرف إنه – معذورا – متأثر بحالته النفسية وله كل الحق، ولكن هذا لا يصح الإيمان به؛ إذ أنه يضع الناس أمام بديلين لا ثالث لهما: إما اليأس أو الثورة. ولتبيين الآثار السلبية القاتلة لكل منهما، أحتاج إلى مقام آخر وليس هنا أو الآن.
التاريخ المصري ملئ بالعبر والدروس التي تتطلب فحصا حقيقا لنخرج مما أشعر به أحيانا من حالات دروشة جماعية، أو هوس بأساطير لا أساس لها، أو، في أفضل تقدير، خارجة عن سياقاتها، بما يخدم مصالح سياسية آنية. هذا عن التاريخ ولا أظنني حقا بحاجة إلى الاستطراد في شؤونه.
ماذا عن العالم الآن؟ أين نحن حقا فيه؟ هل نحن في أسفل سافلين كما تقسم صحف المعارضة المصرية والعربية فلا حل لنا إلا في ثورة راديكالية تطيح بكل شئ لدينا لنبدأ من جديد. أم نحن في أعلى عليين كما يقنعنا كتاب الحزب الحاكم فلا نحتاج لأكثر من شعب أفضل من هذا الذي لا يعرف كيف يُحكَم؟ أخصص المقال القادم لمقارنة أحوال مصر بغيرها من دول العالم اقتصاديا وتنمويا. متحريا التبسيط بأكثر ما أستطيع. طالبا التوضيح على أوضح ما قد يكون. شارحا مشكلات المصريين الاقتصادية. محددا أهم سماتها.
فحتى نلتقي.. للجميع التحية والاحترام